فصل: تفسير الآية رقم (102)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن العظيم ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏92 - 93‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، كما ثبت في الصحيحين، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث‏:‏ النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة‏"‏‏.‏

ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلا خَطَأً‏}‏ قالوا‏:‏ هو استثناء منقطع، كقول الشاعر

من البيض لم تَظْعن بعيدا ولم تَطَأ *** على الأرض إلا رَيْطَ بُرْد مُرَحَّل‏.‏

ولهذا شواهد كثيرة‏.‏

واختلف في سبب نزول هذه ‏[‏الآية‏]‏ فقال مجاهد وغير واحد‏:‏ نزلت في عياش بن

أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه -وهي أسماء بنت مُخَرِّبَة - وذلك أنه قتل رجلا كان يعذبه مع أخيه على الإسلام، وهو الحارث بن يزيد العامري، فأضمر له عَيّاش السوء، فأسلم ذلك الرجل وهاجر، وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه، فظن أنه على دينه، فحمل عليه فقتله‏.‏ فأنزل الله هذه الآية‏.‏

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏:‏ نزلت في أبي الدرداء؛ لأنه قتل رجلا وقد قال كلمة الإسلام حين رفع السيف، فأهوى به إليه، فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إنما قالها متعوذا‏.‏ فقال له‏:‏ ‏"‏هل شققت عن قلبه‏"‏ ‏[‏وهذه القصة في الصحيح لغير أبي الدرداء‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ‏[‏إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا‏]‏ هذان واجبان في قتل الخطأ، أحدهما‏:‏ الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم، وإن كان خطأ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة فلا تجزئ الكافرة‏.‏

وحكى ابن جرير، عن ابن عباس والشعبي وإبراهيم النَّخَعِي والحسن البصري أنهم قالوا‏:‏لا يجزئ الصغير حتى يكون قاصدًا للإيمان‏.‏ وروي من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة قال‏:‏ في حرف، أبي‏:‏ ‏{‏فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ‏}‏ لا يجزئ فيها صبي‏.‏

واختار ابن جرير إن كان مولودًا بين أبوين مسلمين أجزأ، وإلا فلا‏.‏ والذي عليه الجمهور‏:‏ أنه متى كان مسلمًا صح عتقه عن الكفارة، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ أنبأنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزُّهري، عن عبد الله بن عبد الله، عن رجل من الأنصار؛ أنه جاء بِأَمَةٍ سوداء، فقال‏:‏ يا رسول الله، إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها‏.‏ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أتشهدين أن لا إله إلا الله‏؟‏‏"‏ قالت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏أتشهدين أني رسول الله‏؟‏‏"‏ قالت نعم‏.‏ قال‏:‏‏"‏أتؤمنين بالبعث بعد الموت‏؟‏‏"‏ قالت‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏"‏أعتقها‏"‏‏.‏ وهذا إسناد صحيح، وجهالة الصحابي لا تضر‏.‏

وفي موطأ ‏[‏الإمام‏]‏ مالك ومسندي الشافعي وأحمد، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود والنسائي، من طريق هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أين الله‏؟‏‏"‏ قالت‏:‏ في السماء‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏من أنا‏"‏ قالت‏:‏أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏أعتقها فإنها مؤمنة‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ‏}‏ هو الواجب الثاني فيما بين القاتل وأهل القتيل، عوضا لهم عما فاتهم من قريبهم‏.‏ وهذه الدية إنما تجب أخماسا، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن، من حديث الحجاج بن أرطأة، عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك، عن ابن مسعود قال‏:‏ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكورا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جَذَعة وعشرين حِقَّة‏.‏

لفظ النسائي، وقال الترمذي‏:‏ لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفا‏.‏ وكذا روي عن ‏[‏علي و‏]‏ طائفة‏.‏

وقيل‏:‏ تجب أرباعا‏.‏ وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل، لا في ماله، قال الشافعي، رحمه الله‏:‏ لم أعلم مخالفا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة، وهو أكثر من حديث الخاصة وهذا الذي أشار إليه، رحمه الله، قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال‏:‏ اقتتلت امرأتان من هُذَيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى أن دية جنينها غُرَّة عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها‏.‏

وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ حكم الخطأ المحض في وجوب الدية، لكن هذا تجب فيه الدية أثلاثا كالعمد، لشبهه به‏.‏

وفي صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر قال‏:‏ بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا‏:‏ أسلمنا‏.‏ فجعلوا يقولون‏:‏ صبأنا صبأنا‏.‏ فجعل خالد يقتلهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع يديه وقال‏:‏ ‏"‏اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد‏"‏‏.‏ وبعث عليا فودى قتلاهم وما أتلف من أموالهم، حتى مِيلَغة الكلب‏.‏ وهذا ‏[‏الحديث‏]‏ يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا‏}‏ أي‏:‏ فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا بها فلا تجب‏.‏وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ‏}‏ أي‏:‏ إذا كان القتيل مؤمنا، ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب، فلا دية لهم، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ‏[‏فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ‏]‏‏}‏ الآية، أي‏:‏ فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة، فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمنا فدية كاملة، وكذا إن كان كافرا أيضا عند طائفة من العلماء‏.‏ وقيل‏:‏ يجب في الكافر نصف دية المسلم، وقيل‏:‏ ثلثها، كما هو مفصل في ‏[‏كتاب الأحكام‏]‏ ويجب أيضا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة‏.‏

‏{‏فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ‏}‏ أي‏:‏ لا إفطار بينهما، بل يسرد صومهما إلى آخرهما، فإن أفطر من غير عذر، من مرض أو حيض أو نفاس، استأنف‏.‏ واختلفوا في السفر‏:‏ هل يقطع أم لا‏؟‏ على قولين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا‏}‏ أي‏:‏ هذه توبة القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين‏.‏

واختلفوا فيمن لا يستطيع الصيام‏:‏ هل يجب عليه إطعام ستين مسكينا، كما في كفارة الظهار‏؟‏ على قولين؛ أحدهما‏:‏ نعم‏.‏ كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر هاهنا؛ لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير، فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص‏.‏ القول الثاني‏:‏ لا يعدل إلى الإطعام؛ لأنه لو كان واجبا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة‏.‏ ‏{‏وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا‏}‏ قد تقدم تفسيره غير مرة‏.‏

ثم لما بين تعالى حكم القتل الخطأ، شرع في بيان حكم القتل العمد، فقال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ‏[‏فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا‏]‏‏}‏ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول، سبحانه، في سورة الفرقان‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ‏[‏وَلا يَزْنُونَ‏]‏ الآية ‏[‏الفرقان‏:‏ 68‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا‏}‏ ‏[‏إلى أن قال‏:‏ ‏{‏وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 151‏]‏‏.‏

والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا‏.‏ من ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء‏"‏ وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود، من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري، عن عبادة بن الصامت قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا يزال المؤمن مُعنقا صالحا ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما بَلَّح‏"‏ وفيحديث آخر‏:‏ ‏"‏لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم‏"‏ وفي الحديث الآخر‏:‏ ‏"‏لو أجمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم، لأكبهم الله في النار‏"‏ وفي الحديث الآخر‏:‏ ‏"‏من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه‏:‏ آيس من رحمة الله‏"‏‏.‏ وقد كان ابن عباس، رضي الله عنهما، يرى أنه لا توبة للقاتل عمدا لمؤمن‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا مغيرة بن النعمان قال‏:‏ سمعت ابن جبير قال‏:‏ اختلف فيها أهل الكوفة، فَرَحَلْتُ إلى ابن عباس فسألته عنها فقال‏:‏ نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ‏[‏خَالِدًا‏]‏ هي آخر ما نزل وما نسخها شيء‏.‏

وكذا رواه هو أيضا ومسلم والنسائي من طرق، عن شعبة، به ورواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل، عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن مغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا‏}‏ فقال‏:‏ لم ينسخها شيء‏.‏

‏[‏وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا ابن بشار حدثنا ابن أبي عدي حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال‏:‏ قال عبد الرحمن بن أبزة‏:‏ سئل ابن عباس عن قوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا‏}‏ فقال‏:‏ لم ينسخها شيء‏]‏ وقال في هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ ‏[‏وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا‏]‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 68‏]‏ قال نزلت في أهل الشرك‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور، حدثني سعيد بن جبير -أو حدثنى الحكم، عن سعيد بن جبير- قال‏:‏ سألت ابن عباس عن قوله ‏[‏تعالى‏]‏ ‏{‏وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ‏}‏ قال‏:‏ إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمنا متعمدا، فجزاؤه جهنم ولا توبة له‏.‏ فذكرت ذلك لمجاهد فقال‏:‏ إلا من ندم‏.‏

حدثنا ابن حميد، وابن وَكِيع قالا حدثنا جرير، عن يحيى الجابر، عن سالم بن أبي الجَعْد قال‏:‏ كنا عند ابن عباس بعد ما كُف بصره، فأتاه رجل فناداه‏:‏ يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتلمؤمنا متعمدا‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا‏}‏ قال‏:‏ أفرأيت إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى‏؟‏ قال ابن عباس‏:‏ ثكلته أمه، وأنى له التوبة والهدى‏؟‏ والذي نفسي بيده‏!‏ لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ثكلته أمه، قاتل مؤمن متعمدا، جاء يوم القيامة آخذه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دمًا في قُبُل عرش الرحمن، يلزم قاتله بشماله بيده الأخرى، يقول‏:‏ سل هذا فيم قتلني‏"‏‏؟‏ وأيم الذي نفس عبد الله بيده‏!‏ لقد أنزلت هذه الآية، فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم، وما نزل بعدها من برهان‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت يحيى بن المُجَبَّر يحدث عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس؛ أن رجلا أتاه فقال‏:‏ أرأيت رجلا قتل رجلا متعمدا‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ‏[‏وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا‏]‏ قال‏:‏ لقد نزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى‏؟‏ قال‏:‏ وأنى له بالتوبة‏.‏ وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ يقول‏:‏ ‏"‏ثكلته أمه، رجل قتل رجلا متعمدا، يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره -وآخذا رأسه بيمينه أو بشماله- تشْخَب أوداجه دما من قبل العرش يقول‏:‏ يا رب، سل عبدك فيم قتلني‏؟‏‏"‏‏.‏

وقد رواه النسائي عن قتيبة وابن ماجه عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن عمار الدُّهني، ويحيى الجابر وثابت الثمالي عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس، فذكره وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة‏.‏

وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف‏:‏ زيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد بن عمر، والحسن، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم‏.‏

وفي الباب أحاديث كثيرة‏:‏ من ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ في تفسيره‏:‏ حدثنا دَعْلَج بن أحمد، حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد البُوشَنْجي وحدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن فهد قالا حدثنا عبيد بن عبيدة، حدثنا مُعْتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي عمرو بن شُرَحْبِيل، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏يجيء المقتول متعلقا بقاتله يوم القيامة، آخذًا رأسه بيده الأخرى فيقول‏:‏ يا رب، سل هذا فيم قتلني‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ ‏"‏فيقول‏:‏ قتلته لتكون العزة لك‏.‏ فيقول‏:‏ فإنها لي‏"‏‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏ويجيء آخر متعلقا بقاتله فيقول‏:‏ رب، سل هذا فيم قتلني‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ ‏"‏فيقول قتلته لتكون العزة لفلان‏"‏‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فإنها ليست له بؤْ بإثمه‏"‏‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فيهوى في النار سبعين خريفا‏"‏‏.‏

وقد رواه عن النسائي، عن إبراهيم بن المُسْتَمِرِّ العَوْفي، عن عمرو بن عاصم، عن معتمر بن سليمان، به

حديث آخر‏:‏ قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ثور بن يزيد، عن أبي عون، عن أبي إدريس قال‏:‏ سمعت معاوية، رضي الله عنه، يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا‏"‏‏.‏

وكذا رواه النسائي، عن محمد بن المثنى، عن صفوان بن عيسى، به‏.‏

وقال ابن مردويه‏:‏ حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا سَمُّوَيْه، حدثنا عبد الأعلى بن مُسْهِر، حدثنا صَدَقَةُ بن خالد، حدثنا خالد بن دِهْقان، حدثنا ابن أبي زكريا قال‏:‏ سمعت أم الدرداء تقول‏:‏ سمعت أبا الدرداء يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا، أو من قتل مؤمنا متعمدا‏"‏‏.‏ وهذا غريب جدا من هذا الوجه‏.‏ والمحفوظ حديث معاوية المتقدم فالله أعلم‏.‏

ثم روى ابن مَردويه من طريق بَقَيَّةَ بن الوليد، عن نافع بن يزيد، حدثني ابن جبير الأنصاري، عن داود بن الحُصَين، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من قتل مؤمنا متعمدا فقد كفر بالله عز وجل‏"‏‏.‏ وهذا حديث منكر أيضا، وإسناده تُكُلم فيه جدا‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد قال‏:‏ أتاني أبو العالية أنا وصاحب لي، فقال لنا‏:‏ هلما فأنتما أشب شيئًا مني، وأوعى للحديث مني، فانطلق بنا إلى بِشْر بن عاصم -فقال له أبو العالية‏:‏ حدث هؤلاء حديثك‏.‏ فقال‏:‏ حدثنا عقبة بن مالك الليثي قال‏:‏ بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، فأغارت على قوم، فشد من القوم رجل، فاتبعه رجل من السرية شاهرا سيفه فقال الشاد من القوم‏:‏ إني مسلم‏.‏ فلم ينظر فيما قال، فضربه فقتله، فَنَمَى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولا شديدا، فبلغ القاتلَ‏.‏ فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، إذ قال القاتلُ‏:‏ والله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل‏.‏ قال‏:‏ فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم قال أيضا‏:‏ يا رسول الله، ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل، فأعرض عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم لم يصبر، فقال الثالثة‏:‏ والله يا رسول الله ما قال إلا تعوذا من القتل‏.‏فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تُعْرف المساءةُ في وجهه، فقال‏:‏ ‏"‏إن الله أبى على من قتل مؤمنا‏"‏ ثلاثًا‏.‏ ورواه النسائي من حديث سليمان بن المغيرة والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها‏:‏ أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه عز وجل، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملا صالحا، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ‏[‏وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا‏]‏ ‏.‏ إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ‏[‏فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا‏]‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 68، 69‏]‏ وهذا خبر لا يجوز نسخه‏.‏ وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل، والله أعلم‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ‏[‏إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏]‏ ‏[‏الزمر‏:‏53‏]‏ وهذا عام في جميع الذنوب، من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق، وغير ذلك‏:‏ كل من تاب من أي ذلك تاب الله عليه‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 48‏]‏‏.‏ فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها، لتقوية الرجاء، والله أعلم‏.‏

وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما‏:‏ هل لي من توبة‏؟‏ فقال‏:‏ ومن يحول بينك وبين التوبة‏؟‏‏!‏ ثم أرشده إلى بلد يَعْبد الله فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة‏.‏ كما ذكرناه غير مرة، إن كان هذا في بني إسرائيل فَلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى؛ لأن الله وضع عنا الأغلال والآصار التي كانت عليهم، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة‏.‏ فأما الآية الكريمة، وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ‏[‏فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا‏]‏ فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف‏:‏ هذا جزاؤه إن جازاه، وقد رواه ابن مردويه مرفوعا، من طريق محمد بن جامع العطار، عن العلاء بن ميمون العنبري، عن حجاج الأسود، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعا، ولكن لا يصح ومعنى هذه الصيغة‏:‏ أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون كذلك مُعَارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة أو الإحباط‏.‏ وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، والله أعلم بالصواب‏.‏ وبتقدير دخول القاتل إلى النار، أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به، فليس يخلد فيها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل‏.‏ وقد تواردت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى ذرة من إيمان‏.‏ وأما حديث معاوية‏:‏ ‏"‏كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا‏"‏‏:‏ ‏"‏عسى‏"‏ للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين لا ينتفى وقوع ذلك في أحدهما، وهو القتل؛ لما ذكرنا من الأدلة‏.‏ وأما من مات كافرا؛ فالنص أنه لا يغفر له البتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين وهي لا تسقط بالتوبة، ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغضوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولا بد من أدائها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك فلا بد من الطلابة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع الطلابة وقوع المجازاة، وقد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة، أو يعوض الله المقتول من فضله بمايشاء، من قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها ونحو ذلك، والله أعلم‏.‏

ثم للقتل العمد أحكام في الدنيا وأحكام في الآخرة أما ‏[‏في‏]‏ الدنيا فتسلط أولياء المقتول عليه، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ‏[‏فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا‏]‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 33‏]‏ ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا، أو يعفوا، أو يأخذوا دية مغلظة أثلاثا‏:‏ ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذْعَة، وأربعون خَلِفَه كما هو مقرر في كتب الأحكام‏.‏

واختلف الأئمة‏:‏ هل تجب عليه كفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام‏؟‏ على أحد القولين، كما تقدم في كفارة الخطأ، على قولين‏:‏ فالشافعي وأصحابه وطائفة من العلماء يقولون‏:‏ نعم، يجب عليه؛ لأنه إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلأن تجب عليه في العمد أولى‏.‏ وطردوا هذا في كفارة اليمين الغَمُوس، واعتضدوا بقضاء الصلوات المتروكة عمدا، كما أجمعوا على ذلك في الخطأ‏.‏

قال أصحاب الإمام أحمد وآخرون‏:‏ قتل العمد أعظم من أن يكفر، فلا كفارة فيه، وكذا اليمين الغموس، ولا سبيل لهم إلى الفرق بين هاتين الصورتين وبين الصلاة المتروكة عمدا، فإنهم يقولون‏:‏ بوجوب قضائها وإن تركت عمدًا‏.‏

وقد احتج من ذهب إلى وجوب الكفارة في قتل العمد بما رواه الإمام أحمد حيث قال‏:‏ حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن إبراهيم بن أبي عَبْلَة، عن الغَرِيف بن عياش، عن واثلة بن الأسقع قال‏:‏ أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من بني سليم فقالوا‏:‏ إن صاحبا لنا قد أوجب‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فليعتق رقبة، يفدي الله بكل عضو منها عضوا منه من النار‏"‏‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ضَمْرَة بن ربيعة، عن إبراهيم بن أبي عبلة عن الغَريف الديلمي قال‏:‏ أتينا واثلة بن الأسقع الليثي فقلنا‏:‏ حدثنا حديثا سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب، فقال‏:‏ ‏"‏أعتقوا عنه، يُعْتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار‏"‏‏.‏

وكذا رواه أبو داود والنسائي، من حديث إبراهيم بن أبي عبلة، به ولفظ أبي داود عن الغريف الديلمي قال‏:‏ أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا‏:‏ حدثنا حديثا ليس فيه زيادة ولا نقصان‏.‏ فغضب فقال‏:‏ إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص، قلنا‏:‏ إنا أردنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب -يعني النار- بالقتل، فقال‏:‏ ‏"‏أعتقوا عنه، يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار‏"‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏94‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا‏}‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يحيى بن أبي بُكَيْر، وحسين بن محمد، وخلف بن الوليد، قالوا‏:‏ حدثنا إسرائيل، عن سِمَاك، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال‏:‏ مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنما له، فسلم عليهم فقالوا‏:‏ ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا‏.‏ فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‏[‏إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا‏]‏ إلى آخرها‏.‏

ورواه الترمذي في التفسير، عن عبد بن حميد، عن عبد العزيز بن أبي رِزْمَة، عن إسرائيل، به‏.‏ وقال‏:‏ هذا حديث حسن، وفي الباب عن أسامة بن زيد‏.‏ ورواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، به‏.‏ ثم قال‏:‏ صحيح الإسناد ولم يخرجاه‏.‏

ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى وعبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن إسرائيل، به وقال في بعض كتبه غير التفسير -وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط-‏:‏ وهذا خبر عندناصحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما، لعلل منها‏:‏ أنه لا يعرف له مخرج عن سِمَاك إلا من هذا الوجه، ومنها‏:‏ أن عكرمة في روايته عندهم نظر، ومنها‏:‏ أن الذي أنزلت فيه الآية مختلف فيه، فقال بعضهم‏:‏ أنزلت في مُحَلِّم بن جَثَّامَةَ، وقال بعضهم‏:‏ أسامة بن زيد‏.‏ وقيل غير ذلك‏.‏

قلت‏:‏ وهذا كلام غريب، وهو مردود من وجوه أحدها‏:‏ أنه ثابت عن سِمَاك، حدث به عنه غير واحد من الكبار‏.‏ الثاني‏:‏ أن عكرمة محتج به في الصحيح‏.‏ الثالث‏:‏ أنه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس، كما قال البخاري‏:‏ حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتُ مُؤْمِنًا‏}‏ قال‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ كان رجل في غُنَيْمَة له، فلحقه المسلمون، فقال‏:‏ السلام عليكم‏.‏ فقتلوه وأخذوا غُنَيمته ‏[‏فأنزل الله ذلك إلى قوله‏:‏ ‏{‏تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏}‏ تلك الغنيمة‏.‏ قرأ ابن عباس‏(‏السلام‏)‏ وقال سعيد بن منصور‏:‏ حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال‏:‏ لحق المسلمون رجلا في غُنَيْمَة فقال‏:‏ السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غُنَيْمَته‏]‏ فنزلت‏:‏ ‏{‏وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتُ مُؤْمِنًا‏}‏ ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من طريق سفيان بن عيينه، به

وأما قصة محلم بن جَثَّامة فقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثنى يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه عبد الله ابن أبي حدرد، رضي الله عنه، قال‏:‏ بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضَم، فخرجت في نفر من المسلمين، فيهم‏:‏ أبو قتادة الحارث بن رِبْعي، ومحلم بن جَثَّامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضَم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي، على قَعُود له، معه مُتَيَّع ووَطْب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله، بشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره مُتَيَّعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏[‏فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ‏]‏ خَبِيرًا‏.‏‏}‏ تفرد به أحمد

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا جرير، عن ابن إسحاق، عن نافع؛ أن ابن عمر قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحَلِّم بن جَثَّامة مبعثا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام وكانت بينهم حسنة في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع‏:‏ يا رسول الله، سن اليوم وغير غدا‏.‏ فقال عيينة‏:‏ لا والله، حتى تذوق نساؤه من الثُّكل ما ذاق نسائي‏.‏ فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا غَفَرَ الله لك‏"‏‏.‏ فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتى مات، ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فقال‏:‏ ‏"‏إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم من جرمتكم‏"‏ ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة، ونزلت‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِيَن آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُم فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا‏}‏ الآية‏.‏

وقال البخاري‏:‏ قال حبيب بن أبي عَمْرَة، عن سعيد، عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد‏:‏ ‏"‏إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلتَه، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل‏"‏‏.‏ هكذا ذكر البخاري هذا الحديث معلقا مختصرا وقد روي مطولا موصولا فقال الحافظ أبو بكر البزار‏:‏ حدثنا حماد بن علي البغدادي، حدثنا جعفر بن سلمة، حدثنا أبو بكر بن علي بن مُقَدَّم، حدثنا حبيب بن أبي عَمْرَة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح فقال‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله‏.‏ وأهوى إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه‏:‏ أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله‏؟‏ والله لأذكرَن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ يا رسول الله، إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد‏.‏ فقال‏:‏ ‏"‏ادعوا لي المقداد‏.‏ يا مقداد، أقتلت رجلا يقول‏:‏ لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله غدا‏؟‏‏"‏‏.‏ قال‏:‏ فأنزل الله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا‏}‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد‏:‏ ‏"‏كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه، فقتلْتَه، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ‏}‏ أي‏:‏ خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، وأظهر إليكم الإيمان، فتغافلتم عنه، واتهمتموه بالمصانعة والتقية؛ لتبتغوا عَرَضَ الحياة الدنيا، فما عند الله من المغانم الحلال خير لكم من مال هذا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي‏:‏ قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذييُسرّ إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفا، وكما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ ‏[‏تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ‏]‏ الآية ‏[‏الأنفال‏:‏ 26‏]‏، وهذا هو مذهب سعيد بن جبير، كما رواه الثوري، عن حبيب بن أبي عَمْرَة، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ‏}‏ تخفون إيمانكم في المشركين‏.‏

ورواه عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ‏}‏ تستخفون بإيمانكم، كما استخفى هذا الراعي بإيمانه‏.‏

وهذا اختيار ابن جرير‏.‏ وقال ابن أبي حاتم‏:‏ وذُكر عن قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير قوله‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ‏}‏ ‏[‏تورعون عن مثل هذا، وقال الثوري عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ‏}‏‏]‏ لم تكونوا مؤمنين ‏{‏فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ‏[‏فَتَبَيَّنُوا‏}‏ وقال السدي‏:‏ ‏{‏فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ‏}‏‏]‏ أي‏:‏ تاب عليكم، فحلف أسامة لا يقتل رجلا يقول‏:‏ ‏"‏لا إله إلا الله‏"‏ بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَتَبَيَّنُوا‏}‏ تأكيد لما تقدم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا‏}‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ هذا تهديد ووعيد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏95 - 96‏]‏

‏{‏لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا‏}‏

قال البخاري‏:‏ حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏{‏لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدًا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته فأنزل الله ‏[‏عز وجل‏]‏ ‏{‏غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ‏}‏

حدثنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏{‏لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ادع فلانا ‏"‏ فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف فقال‏:‏ ‏"‏اكتب‏:‏ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ‏"‏ وخَلْف النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم، فقال‏:‏ يا رسول الله، أنا ضرير فنزلت مكانها‏:‏ ‏{‏لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ‏}‏

وقال البخاري أيضا‏:‏ حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح بن

كَيْسان، عن ابن شهاب، حدثني سهل بن سعد الساعدي‏:‏ أنه رأى مَروان بن الحكم في المسجد، قال‏:‏ فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عَلَيّ‏:‏ ‏"‏لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله‏"‏‏.‏ فجاءه ابن أم مكتوم، وهو يمليها عليَّ، قال‏:‏ يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت -وكان أعمى- فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفَخِذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن تُرَض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ‏}‏ انفرد به البخاري دون مسلم، وقد روي من وجه آخر عن زيد فقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا سليمان بن داود، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد قال‏:‏ قال زيد بن ثابت‏:‏ إني قاعد إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أُوحِي إليه، قال‏:‏ وغشيته السكينة، قال‏:‏ فوقع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة‏.‏ قال زيد‏:‏ فلا والله ما وجدت شيئًا قط أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سري عنه فقال‏:‏ ‏"‏اكتب يا زيد‏"‏‏.‏ فأخذت كتفا فقال‏:‏ ‏"‏اكتب‏:‏ ‏{‏لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ‏}‏ إلى قوله ‏{‏أَجْرًا عَظِيمًا‏}‏ فكتبت ذاك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم -وكان رجلا أعمى -فقام حين سمع فضيلة المجاهدين فقال‏:‏ يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد ممن هو أعمى، وأشباه ذلك‏؟‏ قال زيد‏:‏ فوالله ما مضى كلامه -أو ما هو إلا أن قضى كلامه -حتى غشيت النبي صلى الله عليه وسلم السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه فقال‏:‏ ‏"‏اقرأ‏"‏‏.‏ فقرأت عليه‏:‏ ‏"‏لا يستوِي القاعدون من الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ ‏"‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ‏}‏ قال زيد‏:‏ فألحقتها، فوالله لكأني أنظر إلى مُلْحَقها عند صدع كان في الكتف‏.‏

ورواه أبو داود، عن سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، به نحوه‏.‏

وقال عبد الرزاق‏:‏ أنبأنا معمر، عن الزهري، عن قَبيصة بن ذُؤَيب، عن زيد بن ثابت، قال‏:‏ كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏اكتب لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ‏"‏ فجاء عبد الله ابن أم مكتوم فقال‏:‏ يا رسول الله إني أحب الجهاد في سبيل الله ولكن بي من الزمانة ما قد ترى، قد ذهب بصري‏.‏ قال زيد‏:‏ فثقلت فَخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، حتى خشيت أن ترضها ثم سُرِّي عنه، ثم قال‏:‏ ‏"‏اكتب‏:‏ ‏{‏لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وقال عبد الرزاق‏:‏ أخبرني ابن جُرَيْج، أخبرني عبد الكريم -هو ابن مالك الجَزري -أن مِقْسما مولى عبد الله بن الحارث -أخبره أن ابن عباس أخبره‏:‏ لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر، والخارجون إلى بدر‏.‏ انفرد به البخاري دون مسلم‏.‏ وقد رواه الترمذي من طريق حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عبد الكريم، عن مِقْسم، عن ابن عباس قال‏:‏ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضر عن بدر، والخارجون إلى بدر، لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم‏:‏ إنا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة‏؟‏ فنزلت‏:‏ ‏{‏لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ‏}‏ وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة، فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر ‏{‏وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا‏}‏ درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر‏.‏ هذا لفظ الترمذي، ثم قال‏:‏ هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه‏.‏

فقوله ‏[‏تعالى‏]‏ ‏{‏لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ كان مطلقا، فلما نزل بوحي سريع‏:‏ ‏{‏غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ‏}‏ صار ذلك مخرجا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد -من الْعَمَى والعَرَج والمرض- عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم‏.‏

ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين، قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ‏}‏ وكذا ينبغي أن يكون لما ثبت في الصحيح عند البخاري من طريق زهير بن معاوية، عن حُمَيْد، عن أنس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن بالمدينة أقوامًا ما سِرْتُم من مَسِير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه ‏"‏ قالوا‏:‏ وهم بالمدينة يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏نعم حبسهم العذر‏"‏‏.‏

وهكذا رواه الإمام أحمد عن محمد بن أبي عَدِيّ عن حُمَيد، عن أنس، به وعلقه البخاري مجزوما‏.‏ ورواه أبو داود عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه‏"‏‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏حبسهم العذر‏"‏‏.‏ لفظ أبي داود وفي هذا المعنى قال الشاعر‏:‏

يا راحلين إلى البَيت العتيق لَقَدْ *** سرْتُم جُسُوما وسرْنا نحنُ أرواحا

إنَّا أقَمنا على عُذْرٍ وعَنْ قَدَرٍ *** ومَنْ أقامَ على عذْرٍ فقد راحا

وقوله‏:‏ ‏{‏وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى‏}‏ أي‏:‏ الجنة والجزاء الجزيل‏.‏ وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين بل هو فرض على الكفاية‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا‏}‏ ثم أخبر تعالى بما فضلهم به من الدرجات، في غرف الجِنَان العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وحلول الرحمة والبركات، إحسانا منه وتكريما؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا‏}‏

وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض‏"‏‏.‏

وقال الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من بلغ بسهم فله أجره درجة ‏"‏ فقال رجل‏:‏ يا رسول الله، وما الدرجة‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام ‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏97 - 100‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا‏}‏

قال البخاري‏:‏ حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حَيْوَة وغيره قالا حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال‏:‏ قطع على أهل المدينة بعْثٌ، فاكتتبت فيه، فلقيتُ عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال‏:‏ أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فَيُرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله ‏[‏عز وجل‏]‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ‏}‏ رواه الليث عن أبي الأسود‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أحمد بن منصور الرَّمَادِي، حدثنا أبو أحمد -يعني الزبيري- حدثنامحمد بن شَرِيك المكي، حدثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض قال المسلمون‏:‏ كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستَغْفَروا لهم، فنزلت‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ‏[‏قَالُوا فِيمَ كُنْتُم‏}‏ إلى آخر‏]‏ الآية، قال‏:‏ فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية‏:‏ لا عذر لهم‏.‏ قال‏:‏ فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ‏}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏ 8‏]‏‏.‏

وقال عكرمة‏:‏ نزلت هذه الآية في شباب من قريش، كانوا تكلموا بالإسلام بمكة، منهم‏:‏ علي بن أمية بن خَلَف، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن منبه بن الحجاج، والحارث بن زَمْعة‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ نزلت في ناس من المنافقين، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وخرجوا مع المشركين يوم بدر، فأصيبوا فيمن أصيب فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع، وبنص هذه الآية حيث يقول تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ بترك الهجرة ‏{‏قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ‏}‏ أي‏:‏ لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة‏؟‏ ‏{‏قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ‏}‏ أي‏:‏ لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض ‏{‏قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً ‏[‏فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا‏]‏‏.‏

وقال أبو داود‏:‏ حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان بن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب‏:‏ أما بعد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله ‏"‏‏.‏

وقال السدي‏:‏ لما أسر العباس وَعقِيل ونَوْفَل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس‏:‏ ‏"‏افد نفسك وابن أخيك ‏"‏ قال‏:‏ يا رسول الله، ألم نصل قبلتك، ونشهد شهادتك‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏يا عباس، إنكم خاصمتم فخُصمتم‏"‏‏.‏ ثم تلا عليه هذه الآية‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً ‏[‏فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا‏]‏ رواه ابن أبي حاتم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ ‏[‏مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا

‏]‏‏}‏ هذا عذر من الله تعالى لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا‏}‏ قال مجاهد وعكرمة، والسدي‏:‏ يعني طريقا‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ‏}‏ أي‏:‏ يتجاوز عنهم بترك الهجرة، وعسى من الله موجبة ‏{‏وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا‏.‏

قال البخاري‏:‏ حدثنا أبو نُعَيْم، حدثنا شَيْبَان، عن يَحْيَى، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة قال‏:‏ بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء إذ قال‏:‏ ‏"‏سمع الله لمن حمده ‏"‏ ثم قال قبل أن يسجد ‏"‏ اللهم نَج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نَج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها سنين كسِنِيِّ يوسف‏"‏‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المقري حدثنا عبد الوارث، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسَّيب، عن أبي هريرة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يده بعدما سلم، وهو مستقبل القبلة فقال‏:‏ ‏"‏اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسَلَمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا من أيدي الكفار‏"‏‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، عن علي بن زيد عن عبد الله -أو إبراهيم بن عبد الله القرشي- عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في دُبُرِ صلاة الظهر‏:‏ ‏"‏اللهم خَلِّص الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا‏"‏‏.‏

ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه كما تقدم‏.‏

وقال عبد الرزاق‏:‏ أنبأنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال‏:‏ سمعت ابن عباس يقول‏:‏ كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان‏.‏ وقال البخاري‏:‏ أنبأنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ‏}‏ قال‏:‏ كانت أمي ممن عَذَر الله عز وجل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً‏}‏ هذا تحريض علىالهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه، و‏"‏المراغم‏"‏ مصدر، تقول العرب‏:‏ راغم فلان قومه مراغما ومراغمة، قال نابغة بني جعدة‏.‏

كَطَوْدٍ يُلاذُ بأرْكَانِه *** عَزيز المُرَاغَم وَالْمَهْرب

وقال ابن عباس‏:‏ ‏"‏المراغَم‏"‏‏:‏ التحول من أرض إلى أرض‏.‏ وكذا رُوي عن الضحاك والربيع بن أنس، الثوري، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏مُرَاغَمًا كَثِيرًا‏}‏ يعني‏:‏ متزحزحا عما يكره‏.‏ وقال سفيان بن عيينة‏:‏ ‏{‏مُرَاغَمًا كَثِيرًا‏}‏ يعني‏:‏ بروجا‏.‏

والظاهر -والله أعلم- أنه التمنّع الذي يُتَحصَّن به، ويراغم به الأعداء‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَسَعَةً‏}‏ يعني‏:‏ الرزق‏.‏ قاله غير واحد، منهم‏:‏ قتادة، حيث قال في قوله‏:‏ ‏{‏يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً‏}‏ إي، والله، من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ ومن خرج من منزله بنية الهجرة، فمات في أثناء الطريق، فقد حصل له من الله ثواب من هاجر، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وَقّاص الليثي، عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه‏"‏‏.‏

وهذا عام في الهجرة وفي كل الأعمال‏.‏ ومنه الحديث الثابت في الصحيحين في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نَفْسًا‏.‏ ثم أكمل بذلك العابد المائة، ثم سأل عالما‏:‏ هل له من توبة‏؟‏ فقال‏:‏ ومن يَحُول بينك وبين التوبة‏؟‏ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر يعبد الله فيه، فلما ارتحل من بلده مهاجرا إلى البلد الآخر، أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء‏:‏ إنه جاء تائبا‏.‏ وقال هؤلاء‏:‏ إنه لم يَصِلْ بَعْدُ‏.‏ فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أقرب كان منها، فأمر الله هذه أن يُقرب من هذه، وهذه أن تبعد فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بِشِبْر، فقبضته ملائكة الرحمة‏.‏ وفي رواية‏:‏ أنه لما جاءه الموت ناء بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن عَتِيك، عن أبيه عبد الله بن عَتِيك قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏من خرج من بيته مهاجرا في سبيل الله- ثم قال بأصابعه هؤلاء الثلاث‏:‏ الوسطى والسبابة والإبهام، فجمعهن وقال‏:‏ وأين المجاهدون-‏؟‏ فخرَّ عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات، فقد وقع أجره على الله أو مات حَتْف أنفه، فقد وقع أجره على الله -والله‏!‏ إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم- ومن قتل قَعْصًا فقد استوجب المآب‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة الحزامي حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي عن المنذر بن عبد الله، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه؛ أن الزبير بن العوام قال‏:‏ هاجر خالد بن حِزَام إلى أرض الحبشة، فنهشته حية في الطريق فمات، فنزلت فيه‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا‏}‏ قال الزبير‏:‏ فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغني؛ لأنه قَلّ أحد ممن هاجر من قريش إلا معه بعض أهله، أو ذوي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره‏.‏

وهذا الأثر غريب جدا فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدنية، فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النزول، والله أعلم‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا سليمان بن داود مولى عبد الله بن جعفر، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، عن الأشعث -هو ابن سَوَّار- عن عكرمة، عن ابن عباس قال‏:‏ خرج ضَمْرَةُ بن جُنْدُب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏[‏ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا‏]‏‏.‏

وحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رَجَاء، أنبأنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير عن أبي ضمرة بن العيص الزُّرَقِي، الذي كان مصاب البصر، وكان بمكة فلما نزلت‏:‏ ‏{‏إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً‏}‏ فقلت‏:‏ إني لغني، وإني لذو حيلة، ‏[‏قال‏]‏ فتجهز يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأدركه الموت بالتَّنْعِيم، فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ‏[‏فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا‏]‏

قال الحافظ أبو يعلى‏:‏ حدثنا إبراهيم بن زياد سَبَلانُ، حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن إسحاق، عن حميد بن أبي حميد، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من خرج حاجا فمات، كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا في سبيل الله فمات، كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة‏"‏‏.‏ وهذا حديث غريب من هذا الوجه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏101‏]‏

‏{‏وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ‏}‏ أي‏:‏ سافرتم في البلاد، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ ‏[‏وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ‏]‏ الآية ‏[‏المزمل‏:‏ 20‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ‏}‏ أي‏:‏ تخَفّفوا فيها، إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية، كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلّوا بها على قصر الصلاة في السفر، على اختلافهم في ذلك‏:‏ فمن قائل لا بد أن يكون سفر طاعة، من جهاد، أو حج، أو عمرة، أو طلب علم، أو زيارة، وغير ذلك، كما هو مروي عن ابن عمر وعطاء، ويحكى عن مالك في رواية عنه نحوه، لظاهر قوله‏:‏ ‏{‏إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏

ومن قائل لا يشترط سفر القربة، بل لا بد أن يكون مباحا، لقوله‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ ‏[‏فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏]‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏ أباح له تناول الميتة مع اضطراره إلا بشرط ألا يكون عاصيا بسفره‏.‏ وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة‏.‏

وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة‏:‏ حدثنا وَكِيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم قال‏:‏ جاء رجل فقال‏:‏ يا رسول الله، إني رجل تاجر، أختلف إلى البحرين ‏"‏فأمره أن يصلي ركعتين‏"‏ وهذا مرسل‏.‏

ومن قائل‏:‏ يكفي مطلق السفر، سواء كان مباحا أو محظورا، حتى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل، تَرَخَّص، لوجود مطلق السفر‏.‏ وهذا قول أبي حنيفة، رحمه الله، والثوري وداود، لعموم الآية وخالفهم الجمهور‏.‏ وأما قوله‏:‏ ‏{‏إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ فقد يكون هذا خُرِّج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو في سرية خاصة، وسائر الأحيان حرب الإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة فلا مفهوم له، كقوله ‏{‏وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 33‏]‏، وكقوله‏:‏‏}‏ ‏{‏وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ‏}‏ الآية ‏[‏النساء‏:‏ 23‏]‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا ابن إدريس، حدثنا ابن جُرَيْج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابَيْه، عن يعلى بن أمية قال‏:‏ سألت عمر بن الخطاب قلت‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ وقد أمَّن الله الناس‏؟‏ فقال لي عمر‏:‏ عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال‏:‏ ‏"‏صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته‏"‏‏.‏ وهكذا رواه مسلم وأهل السنن، من حديث ابن جريج، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، به‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏ وقال علي بن المديني‏:‏ هذا حديث صحيح من حديث عمر، ولا يحفظ إلا من هذا الوجه، ورجاله معروفون وقال أبو بكر بن أبي شيبة‏:‏ حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك بن مِغْول، عن أبي حنظلة الحذَّاء قال‏:‏ سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال‏:‏ ركعتان‏.‏ فقلت‏:‏ أين قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ ونحن آمنون‏؟‏ فقال‏:‏ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقال ابن مَرْدُويه‏:‏ حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى، حدثنا علي بن محمد بن سعيد، حدثنا مِنْجَاب، حدثنا شُرَيْك، عن قيس بن وهب، عن أبي الودَّاك‏:‏ سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر‏؟‏ فقال‏:‏ هي رخصة، نزلت من السماء، فإن شئتم فردوها‏.‏

وقال أبو بكر بن أبي شيبة‏:‏ حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا ابن عَوْن، عن ابن سِيرِين، عن ابن عباس قال‏:‏ صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة، ونحن آمنون، لا نخاف بينهما، ركعتين ركعتين‏.‏

وكذا رواه النسائي، عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الحذَّاء عن عبد الله بن عون، به قال أبو عمر بن عبد البر‏:‏ وهكذا رواه أيوب، وهشام، ويزيد بن إبراهيم التُّسْتَرِي، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله‏.‏

قلت‏:‏ وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة، عن هُشَيم، عن منصور بن زَاذَان، عن

محمد بن سيرين، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى مكة، لا يخاف إلا ربَّ العالمين، فصلى ركعتين، ثم قال الترمذي‏:‏ صحيح‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا أبو مَعْمَر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا يحيى بن أبي إسحاق قال‏:‏ سمعت أنسا يقول‏:‏ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة‏.‏ قلت‏:‏ أقمتم بمكة شيئا‏؟‏ قال‏:‏ أقمنا بها عَشْرًا‏.‏

وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، به‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا وَكِيع، حدثنا سُفْيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن وهب الخُزَاعي قال‏:‏ صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى -أكثر ما كان الناس وآمنه -ركعتين‏.‏

ورواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق، عن أبي إسحاق السَّبِيعي، عنه، به ولفظ البخاري‏:‏ حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمعت حارثة بن وهب قال‏:‏ صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن ما كان بمنى ركعتين‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا مُسَدَّد، حدثنا يحيى، حدثنا عبيد الله، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر قال‏:‏ صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، وأبي بكر وعمر، ومع عثمان صدرا من إمارته، ثم أتمها‏.‏ وكذا رواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان ‏[‏الأنصاري‏]‏ به‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الواحد، عن الأعمش، حدثنا إبراهيم، سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول‏:‏ صلى بنا عثمان بن عفان، رضي الله عنه، بمنى أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع، ثم قال‏:‏ صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي مع أربع ركعات ركعتان متقبلتان‏.‏

ورواه البخاري أيضا من حديث الثوري، عن الأعمش، به‏.‏ وأخرجه مسلم من طرق، عنه‏.‏ منها عن قتيبة كما تقدم‏.‏

فهذه الأحاديث دالة صريحا على أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف؛ ولهذا قال من قال من العلماء‏:‏ إن المراد من القصر هاهنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية‏.‏ وهو قول مجاهد، والضحاك، والسدي كما سيأتي بيانه، واعتضدوا أيضا بما رواه الإمام مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت‏:‏ فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فَأقرَّت صلاة السفر؛ وَزِيد في صلاة الحضر‏.‏

وقد روى هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنَّيسي، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القَعْنَبي، والنَّسائي عن قتيبةَ، أربعتهم عن مالك، به‏.‏

قالوا‏:‏ فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين، فكيف يكون المراد بالقصر هاهنا قصر الكمية؛ لأن ما هو الأصل لا يقال فيه‏:‏ ‏{‏فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ‏}‏‏؟‏

وأصرح من ذلك دلالة على هذا، ما رواه الإمام أحمد‏:‏ حدثنا وَكِيع، حدثنا سفيان -وعبد الرحمن حدثنا سفيان -عن زُبَيْد اليامي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر، رضي الله عنه، قال‏:‏ صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وهكذا رواه النسائي وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، من طرق عن زُبَيْد اليامي به‏.‏

وهذا إسناد على شرط مسلم‏.‏ وقد حَكَم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى، عن عمر‏.‏ وقد جاء مصرحا به في هذا الحديث وفي غيره، وهو الصواب إن شاء الله‏.‏ وإن كان يحيى بن مَعين، وأبو حاتم، والنسائي قد قالوا‏:‏ إنه لم يسمع منه‏.‏ وعلى هذا أيضا، فقد وقع في بعض طرق أبي يَعْلى الموصِلي، من طريق الثوري، عن زُبَيد، عن عبد الرحمن ‏[‏بن أبي ليلى‏]‏ عن الثقة، عن عمر فذكره، وعند ابن ماجه من طريق يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد، عن زبيد، عن عبد الرحمن، عن كعب بن عُجْرَة، عن عمر، به‏.‏، فالله أعلم‏.‏

وقد روى مسلم في صحيحه، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث أبي عَوَانة الوضاح بن عبد الله اليَشْكُري -زاد مسلم والنسائي‏:‏ وأيوب بن عائد -كلاهما عن بُكَير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس قال‏:‏ فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة، ‏[‏هكذا رواه وكيع وروح بن عبادة عن أسامة بن زيد الليثي‏:‏ حدثني الحسن بن مسلم بن يَسَاف عن طاوس عن ابن عباس قال‏:‏ فرض الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الصلاة في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين‏]‏ فكما يصلى في الحضر قبلها وبعدها، فكذلك يصلى في السفر‏.‏ ورواه ابن ماجه من حديث أسامة بن زيد، عن طاوس نفسه‏.‏

فهذا ثابت عن ابن عباس، رضي الله عنهما ولا ينافي ما تقدم عن عائشة لأنها أخبرت أن أصل الصلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر، فلما استقر ذلك صح أن يقال‏:‏ إن فرض صلاة الحضر أربع، كما قاله ابن عباس، والله أعلم‏.‏ لكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرح به في حديث عمر، رضي الله عنه، وإذا كان كذلك، فيكون المراد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ‏}‏ قصر الكيفية كما في صلاة الخوف؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ‏[‏إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا‏]‏‏.‏ ولهذا قال بعدها‏:‏ ‏{‏وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ‏[‏فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ‏]‏ الآية فبين المقصود من القصر هاهنا وذكر صفته وكيفيته؛ ولهذا لما اعتضد البخاري ‏"‏كتاب صلاة الخوف‏"‏ صدره بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا‏}‏

وهكذا قال جُوَيبر، عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏{‏فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ‏}‏ قال‏:‏ ذاك عند القتال، يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه‏.‏

وقال أسباط، عن السدي في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ‏}‏ الآية‏:‏ إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام، التقصير لا يحل، إلا أن تخاف من الذين كفروا أن يفتنوك عن الصلاة، فالتقصير ركعة‏.‏

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد‏:‏ ‏{‏فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ‏}‏ يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعُسفان والمشركون بضجْنان، فتوافقوا، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات، بركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جميعا، فَهَمَّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم‏.‏

روى ذلك ابن أبي حاتم‏.‏ ورواه ابن جرير، عن مجاهد والسدي، وعن جابر وابن عمر، واختار ذلك أيضا، فإنه قال بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك‏:‏ وهو الصواب‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن أبي فُدَيْك، حدثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد‏:‏ أنه قال لعبد الله بن عمر‏:‏ إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر‏؟‏ فقال عبد الله‏:‏ إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملا عملنا به‏.‏

فقد سمى صلاة الخوف مقصورة، وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع لا بنص القرآن‏.‏

وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضا‏:‏ حدثني أحمد بن الوليد القرشي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سِمَاك الحنفي‏:‏ سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال‏:‏ ركعتان تمام غير

قصر، إنما القصر صلاة المخافة‏.‏ فقلت‏:‏ وما صلاة المخافة‏؟‏ فقال‏:‏ يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏102‏]‏

‏{‏وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا‏}‏

صلاة الخوف أنواع كثيرة، فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صَوْبها، والصلاة تارة تكون رباعية، وتارة ثلاثية كالمغرب، وتارة ثنائية، كالصبح وصلاة السفر، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ورجالا وركبانا، ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة‏.‏

ومن العلماء من قال‏:‏ يصلون والحالة هذه ركعة واحدة؛ لحديث ابن عباس المتقدم، وبه قال أحمد بن حنبل‏.‏ قال المنذري في الحواشي‏:‏ وبه قال عطاء، وجابر، والحسن، ومجاهد، والحكم، وقتادة، وحماد‏.‏ وإليه ذهب طاوس والضحاك‏.‏

وقد حكى أبو عاصم العَبَّادي عن محمد بن نصر المروزي؛ أنه يرى رَدَّ الصبح إلى ركعة في الخوف وإليه ذهب ابن حزم أيضًا‏.‏

وقال إسحاق بن راهويه‏:‏ أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة، تومئ بها إيماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة؛ لأنها ذكر الله‏.‏

وقال آخرون‏:‏ تكفي تكبيرة واحدة‏.‏ فلعله أراد ركعة واحدة، كما قاله أحمد بن حنبل وأصحابه، ولكن الذين حكوه إنما حكوه على ظاهره في الاجتزاء بتكبيرة واحدة، كما هو مذهب إسحاق بن راهويه، وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بُخْت المكي، حتى قال‏:‏ فإن لم يقدر على التكبيرة فلا يتركها في نفسه، يعني بالنية، رواه سعيد بن منصور في سننه عن إسماعيل بن عَيَّاش، عن شعيب بن دينار، عنه، فالله أعلم‏.‏

ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة، كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب صلاة العصر، قيل‏:‏ والظهر، فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب ثم العشاء‏.‏ وكما قال بعدها - يوم بني قريظة، حين جهز إليهم الجيش -‏:‏ ‏"‏لا يصلينّ أحدٌ منكم العصر إلا في بني قريظة‏"‏، فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فقال منهم قائلون‏:‏ لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تعجيلَ المسير، ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق‏.‏ وأخَّر آخرون منهم العصر، فصلوها في بني قريظة بعد الغروب، ولم يُعَنِّف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من الفريقين وقد تكلمنا على هذا في كتاب السيرة، وبَيَّنا أن الذين صلوا العصر لوقتها أقرب إلى إصابة الحق في نفس الأمر، وإن كان الآخرون معذورين أيضًا، والحجة هاهنا في عذرهم في تأخير الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد من الطائفة الملعونة اليهود‏.‏ وأما الجمهور فقالوا‏:‏ هذا كله منسوخ بصلاة الخوف، فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك، وهذا بين في حديث أبي سعيد الخدري، الذي رواه الشافعي وأهل السنن، ولكن يشكل على هذا ما حكاه البخاري رحمه الله، في صحيحه، حيث قال‏:‏ ‏"‏باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو‏"‏‏:‏ قال الأوزاعي‏:‏ إن كان تَهَيَّأ الفتحُ ولم يقدروا على الصلاة، صَلُّوا إيماء، كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخَّروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأمنوا فيصلوا ركعتين‏.‏ فإن لم يقدروا صَلُّوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزئهم التكبير، ويؤخرونها حتى يأمنوا‏.‏ وبه قال مكحول، وقال أنس بن مالك‏:‏ حضرت مناهضة حصن تُسْتر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نُصَلِّ إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى، فَفُتح لنا، قال أنس‏:‏ وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها‏.‏

انتهى ما ذكره، ثم أتبعه بحديث تأخير الصلاة يوم الأحزاب، ثم بحديث أمره إياهم ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، وكأنه كالمختار لذلك، والله أعلم‏.‏

ولمن جنح إلى ذلك له أن يحتج بصنيع أبي موسى وأصحابه يوم فتح تستر فإنه يشتهر غالبا، ولكن كان ذلك في إمارة عمر بن الخطاب، ولم ينقل أنه أنكر عليهم، ولا أحد من الصحابة، والله أعلم‏.‏

‏[‏و‏]‏ قال هؤلاء‏:‏ وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق؛ لأن ذات الرِّقَاع كانت قبل الخندق في قول جمهور علماء السير والمغازي‏.‏ وممن نص على ذلك محمد بن إسحاق، وموسى بن عقبة، والواقدي، ومحمد بن سعد كاتبه، وخليفة بن خَيَّاط وغيرهم وقال البخاري وغيره‏:‏ كانت ذات الرقاع بعد الخندق، لحديث أبي موسى وما قَدم إلا في خيبر، والله أعلم‏.‏ والعجب -كل العجب -

أن المُزْني، وأبا يوسف القاضي، وإبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّة ذهبوا إلى أن صلاة الخوف منسوخة بتأخيره، عليه السلام، الصلاة يوم الخندق‏.‏ وهذا غريب جدًّا، وقد ثبتت الأحاديث بعد الخندق بصلاة الخوف، وحمل تأخير الصلاة يومئذ على ما قاله مكحول والأوزاعي أقوى وأقرب، والله أعلم‏.‏

فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ‏}‏ أي‏:‏ إذا صليت بهم إماما في صلاة الخوف، وهذه حالة غير الأولى، فإن تلك قصرها إلى ركعة، كما دل عليه الحديث، فرادى ورجالا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد‏.‏ وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة، حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة لما ساغ ذلك، وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ‏}‏ فبعده تفوت هذه الصفة، فإنه استدلال ضعيف، ويُرَدُّ عليه مثل قول مانعي الزكاة، الذين احتجوا بقوله‏:‏ ‏{‏خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 103‏]‏ قالوا‏:‏ فنحن لا ندفع زكاتنا بعده صلى الله عليه وسلم إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا على من نراه، ولا ندفعها إلى من صلاته، أي‏:‏ دعاؤه، سكن لنا، ومع هذا ردَّ عليهم الصحابة وأبَوْا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة، وقاتلوا من منعها منهم‏.‏

ولنذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة أولا قبل ذكر صفتها‏:‏ قال ابن جرير‏:‏ حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الله بن هاشم، أنبأنا سيف عن أبي رَوْق، عن أبي أيوب، عن علي، رضي الله عنه، قال‏:‏ سأل قوم من بني النجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي‏؟‏ فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ‏}‏ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظّهر، فقال المشركون‏:‏ لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، هلا شددتم عليهم‏؟‏ فقال قائل منهم‏:‏ إن لهم أخرى مثلها في إثرها‏.‏ قال‏:‏ فأنزل الله عز وجل بين الصلاتين‏:‏ ‏{‏إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ‏[‏إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا‏.‏ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا‏}‏‏]‏ فنزلت صلاة الخوف‏.‏

وهذا سياق غريب جدا ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزُّرَقي، واسمه زيد بن الصامت، رضي الله عنه، قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش قال‏:‏ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُسْفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا‏:‏ لقد كانوا على حال لو أصبنا غُرَّتَهم‏.‏ ثم قالوا‏:‏ تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم‏.‏ قال‏:‏ فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر‏:‏ ‏{‏وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ‏}‏ قال‏:‏ فحضرت، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح، ‏[‏قال‏]‏ فصفنا خلفه صفين، قال‏:‏ ثم ركع فركعنا جميعا، ثم رفع فرفعنا جميعا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع فركعوا جميعا، ثم رفع فرفعوا جميعا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم، ثم انصرف‏.‏ قال‏:‏ فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين‏:‏ مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم‏.‏

ثم رواه أحمد، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن منصور، به نحوه‏.‏ وهكذا رواه أبو داود، عن سعيد بن منصور، عن جرير بن عبد الحميد، والنسائي من حديث شعبة وعبد العزيز بن عبد الصمد، كلهم عن منصور، به‏.‏

وهذا إسناد صحيح، وله شواهد كثيرة، فمن ذلك ما رواه البخاري حيث قال‏:‏ حدثنا حَيْوَة بن شُرَيح، حدثنا محمد بن حرب، عن الزُّبيدي، عن الزُّهري، عن عُبَيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال‏:‏ قام النبي صلى الله عليه وسلم وقام الناس معه، فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام الثانية فقام الذين سجدوا، وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه، والناس كلهم في الصلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضًا‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا ابن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن سليمان اليَشْكُري‏:‏ أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة‏:‏ أي يوم أنزل‏؟‏ أو‏:‏ أي يوم هو‏؟‏ فقال جابر‏:‏ انطلقنا نتلقي عِيرَ قريش آتية من الشام، حتى إذا كنا بنخل، جاء رجل من القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا محمد‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏نعم‏"‏، قال‏:‏ هل تخافني‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏لا‏"‏‏.‏ قال‏:‏ فما يمنعك مني‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏الله يمنعني منك‏"‏‏.‏ قال‏:‏ فَسلَّ السيف ثم تهدده وأوعده، ثم نادى بالترحل وأخذ السلاح، ثم نودي بالصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة من القوم وطائفة أخرى تحرسهم‏.‏ فصلى بالذين يلونه ركعتين، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم فقاموا في مصاف أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم، ثم سلم‏.‏ فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، والقوم ركعتين ركعتين، فيومئذ أنزل الله في إقصار الصلاة وأمر المؤمنين بأخذ السلاح‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا سُرَيج حدثنا أبو عَوَانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس اليَشْكُري، عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب خَصَفَة فجاء رجل منهم يقال له‏:‏ ‏"‏غورث بن الحارث‏"‏ حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف فقال‏:‏ من يمنعك مني‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏الله‏"‏، فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ومن يمنعك مني‏"‏‏؟‏ قال‏:‏ كن خير آخذ‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ لا ولكني أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك‏.‏ فخلى سبيله، فأتى قومه فقال‏:‏ جئتكم من عند خير الناس‏.‏ فلما حضرت الصلاة صلىرسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين‏:‏ طائفة بإزاء العدو، وطائفة صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين، وانصرفوا، فكانوا بمكان أولئك الذين بإزاء عدوهم‏.‏ وانصرف الذين بإزاء عدوهم فصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين‏.‏ تفرد به من هذا الوجه‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أحمد بن سنَان، حدثنا أبو قَطَن عمرو بن الهيثم، حدثنا المسعودي، عن يزيد الفقير قال‏:‏ سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر‏:‏ أقصرهما‏؟‏ قال‏:‏ الركعتان في السفر تمام، إنما القصر واحدة عند القتال، بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال إذْ أقيمت الصلاة، فقام رسول الله صلى فصف طائفة، وطائفة وجهها قِبَل العدو، فصلَّى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم الذين خلفوا انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم ومكانهم نحو ذا، وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس وسلم، وسلم الذين خلفه، وسلم أولئك، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، وللقوم ركعة ركعة، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ‏}‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف، فقام صفٌّ بين يديه، وصفٌّ خلفه، فصلى بالذي خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا مقام هؤلاء، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة وسجدتين، ثم سلم‏.‏ فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ولهم ركعة‏.‏

ورواه النسائي من حديث شعبة، ولهذا الحديث طرق عن جابر وهو في صحيح مسلم من وجه آخر بلفظ آخر وقد رواه عن جابر جماعة كثيرون في الصحيح والسنن والمساند‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا نُعَيْم بن حمَّاد، حدثنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا مَعْمَر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ‏}‏ قال‏:‏ هي صلاة الخوف، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مقبلة على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى، ثم سلم بهم، ثم قامت كل طائفة منهم فصلت ركعة ركعة‏.‏ وقد روى هذا الحديث الجماعة في كتبهم من طريق معمر، به ولهذا الحديث طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة، وقد أجاد الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في سرد طُرُقه وألفاظه، وكذا ابن جرير، ولنحرره في كتاب ‏"‏الأحكام الكبير‏"‏ إن شاء الله، وبه الثقة‏.‏

وأما الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف، فمحمول عند طائفة من العلماء على الوجوب لظاهر الآية، وهو أحد قولي الشافعي ويدل عليه قوله‏:‏ ‏{‏وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ بحيث تكونون على أهبة إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا‏}‏